أبي منصور الماتريدي
474
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ . قال بعضهم « 1 » : خَصِيمٌ : هو الذي يجادل بالباطل مُبِينٌ : أي : ظاهر مجادلته بالباطل ومخاصمته . وقال بعضهم : الخصيم : هو الجدل الذي يجادل فيما كان . قال أبو عوسجة : الخصيم : هو المخاصم ، والمخاصم كلاهما خصيم ، ويقال : فلان [ خصيمي أي : ] « 2 » خصمي . مبين : ظاهر خصومته ، والخصيم : هو الفعيل ، والفعيل : قد يستعمل في موضع الفاعل والمفعول جميعا ؛ فكأنه قال : فإذا هو خصيم « 3 » مبين : أي : منقطع عن الخصومة ؛ بيّن انقطاعه ، وهو ما ذكر من خصومته في آية أخرى ؛ وانقطاع حجته ؛ حيث قال : أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [ يس : 77 ، 78 ] فهذا احتجاج عليه ؛ فانقطعت « 4 » حجته ، وبهت الذي أنكر قدرته على البعث ؛ حيث لم يتهيأ له جواب ما احتج عليه .
--> ( 1 ) قاله البغوي ( 3 / 62 ) . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ووجه الاستدلال بكونه خصيما على وجود الإله المدبر الحكيم : أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهما وذكاء من نفوس سائر الحيوانات ؛ ألا ترى أن ولد الدجاجة حالما يخرج من قشر البيضة يميز الصديق والعدو ، ويهرب من الهرة ، ويلتجئ إلى الأم ويميز الغذاء الموافق ، والغذاء الذي لم يوافق ؟ ! . وأما ولد الإنسان فإنه حال انفصاله من بطن الأم لا يميز البتة بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع ، فظهر أن الإنسان في أول الحدوث أنقص حالا ، وأقل فطنة من سائر الحيوانات ! . ثم إن الإنسان بعد كبره يقوى عقله ويعظم فهمه ، ويصير بحيث يقوى على مساحة السماوات والأرض ، ويقوى على معرفة الله - عزّ وجل - وصفاته ، وعلى معرفة أصناف المخلوقات من الأرواح والأجسام والفلكيات والعنصريات ، ويقوى على إيراد الشبهات القوية في دين الله - تعالى - والخصومات الشديدة في كل المطالب ، فانتقال نفس الإنسان من تلك البلادة المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لا بد وأن يكون بتدبير مدبر مختار حكيم ينقل الأرواح من نقصانها إلى كمالاتها ، ومن جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمة والاختيار ، فهذا هو المراد من قوله تعالى فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ . وفي معنى كونه خصيما مبينا وجهان : الأول : أنه يجادل عن نفسه منازعا للخصوم بعد أن كان نطفة قذرة وجمادا ، لا حس فيه ولا حركة ، والمقصود منه أن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم . والثاني : فإذا هو خصيم لربه ، منكر على خالقه ، قائل : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ والغرض وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل والتمادي في كفران النعمة . ينظر اللباب ( 12 / 10 ، 11 ) . ( 4 ) في أ : فإذا انقطعت .